سيد محمد طنطاوي
312
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وهي أطراف الأعصاب ، ويقوم بحمايتها الجفن ذو الأهداب الذي يقيها ليلا ونهارا . . . « 1 » . ثم يكشف القرآن بعد ذلك عن علة الغرور والغفلة - وهي التكذيب بيوم الحساب - ويقرر أن كل عمل يعمله الإنسان هو مسجل عليه فيقول : * ( كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ . وإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ . كِراماً كاتِبِينَ . يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ) * . و « كلا » حرف ردع وزجر ، وهي هنا للردع والزجر عن الاغترار بكرم اللَّه - تعالى - وعن جعله ذريعة إلى الكفر والفسوق والعصيان . وقوله * ( بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ) * إبطال لوجود ما يدعو إلى غرورهم لو كانوا يعقلون . أي : كلا ليس هناك شيء يقتضى غروركم باللَّه - تعالى - ويجرؤكم على عصيانه لو كنتم تتفكرون وتتدبرون . . . ولكن تكذيبكم بالبعث والحساب والجزاء هو الذي حملكم على الكفر والفسوق والعصيان . قال الآلوسي ما ملخصه : قوله * ( كَلَّا ) * ردع عن الاغترار بكرم اللَّه - تعالى - وقوله : * ( بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ) * إضراب عن جملة مقدرة ، ينساق إليها الكلام ، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض ، وأنتم لا ترتدعون عن ذلك ، بل تجترئون على أعظم منه ، حيث تكذبون بالجزاء والبعث رأسا ، أو بدين الإسلام ، اللذين هما من جملة أحكامه ، فلا تصدقون سؤالا ولا جوابا ، ولا ثوابا ولا عقابا ، وفيه ترق من الأهون إلى الأعظم . وعن الراغب : « بل » هنا لتصحيح الثاني وإبطال الأول . كأنه قيل : ليس هنا مقتض لغرورهم ، ولكن تكذيبهم بالبعث حملهم على ما ارتكبوه . وقيل تقدير الكلام : كلا إنكم لا تستقيمون على ما توجبه نعمى إليكم ، وإرشادى لكم ، بل تكذبون بالدين . . . « 2 » . وقوله : * ( وإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ ) * عطف على جملة * ( تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ) * لتأكيد ثبوت الجزاء على الأعمال ، وتسجيل هذه الأعمال تسجيلا تاما . وقوله * ( لَحافِظِينَ ) * صفة لموصوف محذوف . أي : وإن عليكم لملائكة يحفظون أعمالكم عليكم ، ويسجلونها دون أن يضيعوا منها شيئا . وقوله : * ( كِراماً كاتِبِينَ . يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ) * صفات أخرى لهؤلاء الملائكة .
--> ( 1 ) راجع تفسير في ظلال القرآن ج 30 ص 490 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 30 ص 65 .